العيني

91

عمدة القاري

على أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه إذا ترك ورثة من بنين وعصبة ، واختلفوا إذا لم يتركهما ولا وارثا بنسب أو نكاح ، فقال ابن مسعود : إذا كان كذلك جاز له أن يوصي بماله كله ، وعن أبي موسى مثله ، وقال بقولهما قوم ، منهم : مسروق وعبيدة وإسحاق ، واختلف في ذلك قول أحمد ، وذهب إليه جماعة من المتأخرين ممن لا يقول بقول زيد بن ثابت في هذه المسألة . وعن عبيدة : إذا مات الرجل وليس عليه عقد لأحد ولا عصبة ترثه فإنه يوصي بماله كله حيث شاء . وعن مسروق وشريك ، مثله . وعن الحسن وأبي العالية مثله ، ذكره في ( المصنف ) قال القرطبي : وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق ومالك في أحد قوليهما . وقال زيد بن ثابت : لا يجوز لأحد إن يوصي بأكثر من ثلثه إذا كان له بنون أو ورثة كلالة أو ورث جماعة المسلمين ، لأن بيت ما لهم عصبة من لا عصبة له ، وإليه ذهب جماعة . وأجمع فقهاء الأمصار أن الوصية بأكثر من الثلث إذا أجازها الورثة جازت ، وإن لم تجزها الورثة لم يجز منها إلاَّ الثلث . وأبى ذلك أهل الظاهر فمنعوها وإن أجازتها الورثة ، وهو قول عبد الرحمن بن كيسان ، وكذلك قالوا : إن الوصية للوارث لا تجوز ، وإن أجازها الورثة لحديث : ( لا وصية لوارث ) ، وسائر الفقهاء يجيزون ذلك إذا أجازها الورثة ، ويجعلونها هبة . وفي الحديث دلالة على أن الثلث هو الغاية تنتهي إليها الوصية ، وإن التقصير عنه أفضل . وكره جماعة من أهل العلم الوصية بجميع الثلث . قال طاووس : إذا كانت ورثته قليلاً وماله كثيرا فلا بأس إن يبلغ الثلث ، واستحب طائفة الوصية بالربع ، وهو مروي عن ابن عباس . وقال إسحاق : السنة الربع ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الثلث كثير . . . ) إلاَّ أن يكون رجل يعرف في ماله شبهة ، فيجوز له الثلث . قال أبو عمر : لا أعلم لإسحاق حجة في قوله : السنة الربع ، وقال ابن بطال : أوصى عمر ، رضي الله تعالى عنه ، بالربع . واختار آخرون السدس ، وقال إبراهيم : كانوا يكرهون أن يوصوا بمثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل ، رواه عنه ابن أبي شيبة بسند صحيح ، وكان السدس أحب إليه من الثلث . وأوصى أنس ، فيما ذكره في ( المصنف ) من حديث عبادة الصيدلاني عن ثابت عنه ، بمثل نصيب أحد ولده ، وأجاز آخرون العشر ، وعن أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه ، أنه يفضل الوصية بالخمس ، وبذلك أوصى ، وقال : رضيت لنفسي ما رضي الله لنفسه : يعني خمس الغنيمة . واستحب جماعة الوصية بالثلث محتجين بحديث الباب ، وبحديث ضعيف رواه ابن وهب عن طلحة بن عمرو ، وتفرد بذكره مع ضعفه عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( جعل الله لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم ) . وفيه جواز ذكر المريض ما يجده لغرض صحيح من مداواة أو دعاء أو وصية أو نحو ذلك ، وإنما يكره من ذلك ما كان على سبيل التسخط ونحوه ، فإنه قادح في أجر مرضه . وفيه : في قوله : ( أفأتصدق مالي كله ؟ ) في رواية إن صحت حجة قاطعة لما ذهب إليه جمهور أهل العلم في هبات المريض وصدقته وعتقه ، أن ذلك من ثلثه لا من جميع ماله ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث والرأي ، محتجين بحديث عمران بن حصين في الذي اعتق ستة أعبد ، في مرضه ولا مال له غيرهم ، ثم توفي فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم اثنين وأرق أربعة ، وقالت فرقة من أهل النظر وأهل الظاهر ، في هبة المريض ؛ إنها من جميع المال ، وقال ابن بطال : هذا القول لا نعلم أحدا من المتقدمين قال به ، وقال أبو عمر : قد قال بعض أهل العلم إن عامر بن سعد هو الذي قال في حديث سعد : ( أفأتصدق ) وأما مصعب بن سعد فإنما قال : أفأوصي ، ولم يقل : أفأتصدق ، قال أبو عمرو : الذي أقوله أن ابن شهاب رواه عن سعد ، فقال : أفأوصي ؟ كما قال مصعب وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ، وقد روى شعبة والثوري عن سعد بن إبراهيم عن عامر عن سعد : أفأوصي بمالي كله ؟ وكذا روى عبد الملك بن عمير عن مصعب . وفيه : استحباب عيادة المريض للإمام وغيره . إباحة جمع المال وأنه لا عيب في ذلك كما يدعيه بعض المتصوفة . وفيه : الحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب واستحباب الإنفاق في وجوه الخير ، وأن الأعمال بالنيات وأن المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة ، ويثاب به ، وقد نبه عليه بأحسن الحظوظ الدنيوية التي تكون في العادة عند المداعبة ، وهو وضع اللقمة في فم الزوجة ، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطاعة وجه الله تعالى فيحصل به الأجر ، فغيره بالطريق الأولى . فإن قلت : ما الحكمة في تخصيص ذكر الزوجة دون غيرها ؟ قلت : لأن زوجة الإنسان من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته . وفيه : من أعلام نبوته ، صلى الله عليه وسلم ، حيث أطلعه الله تعالى : أن سعدا لا يموت حتى يخلف جماعة ، كما أطلعه أنه لا يموت حتى ينتفع به قوم ويتضرر به آخرون ، على ما ذكرناه ، حتى إنه عاش وفتح العراق